الجوهر

10:029/02/2026, понедельник
تحديث: 10/02/2026, вторник
آيدن أونال

أماطت عمليات الجيش السوري ضد تنظيم "واي بي جي/بي كا كا" اللثام عن حقيقة مقلقة واجهتنا جميعًا. ليس صحيحًا اختزال الأكراد في تنظيم بي كا كا، وليس جميع الأكراد يدعمون التنظيم أو يتعاطفون معه، كما أن جميع الأكراد لا يصوتون لحزب «DEM» الذي يُعد الامتداد السياسي للتنظيم. لكننا رأينا أن الدعاية التي ينشرها تنظيم بي كا كا، ولا سيما لغته ومصطلحاته، تملك تأثيرًا قويًا للغاية على قطاعٍ واسع من الأكراد، وخصوصًا على المثقفين وقادة الرأي والكتّاب، وحتى على الأكراد الإسلاميين والمتدينين والمحافظين. فهذا القطاع

أماطت عمليات الجيش السوري ضد تنظيم "واي بي جي/بي كا كا" اللثام عن حقيقة مقلقة واجهتنا جميعًا.

ليس صحيحًا اختزال الأكراد في تنظيم بي كا كا، وليس جميع الأكراد يدعمون التنظيم أو يتعاطفون معه، كما أن جميع الأكراد لا يصوتون لحزب «DEM» الذي يُعد الامتداد السياسي للتنظيم. لكننا رأينا أن الدعاية التي ينشرها تنظيم بي كا كا، ولا سيما لغته ومصطلحاته، تملك تأثيرًا قويًا للغاية على قطاعٍ واسع من الأكراد، وخصوصًا على المثقفين وقادة الرأي والكتّاب، وحتى على الأكراد الإسلاميين والمتدينين والمحافظين.

فهذا القطاع — سواء كان منتمياً إلى التنظيم أم لا — يستخدم منذ سنوات طويلة الكلمات والمفاهيم وأسماء المناطق الجغرافية وفق الصياغة التي فرضها تنظيم بي كا كا، ومن البديهي أن التفكير نفسه يتشكل فوق هذه اللغة.

لقد استهدف تنظيم بي كا كا هذا الأمر منذ لحظة تأسيسه؛ إذ عمل أولًا في الميدان، ثم داخل سجن ديار بكر، على تصفية جميع أشكال المعارضة الكردية الأخرى، سواء بوسائل دموية أو غير دموية، لتبقى الحركة الكردية المنظمة الوحيدة على الساحة. وبفضل ذلك، نجح التنظيم في تغيير بنية الهوية الكردية وجوهرها وروحها، وتمكن من إعادة تشكيل لغتها ومصطلحاتها، بل وحتى فكرها وأدبها وموسيقاها وفنونها.

نحن جميعًا أبناء آدم، وفطريا لا تفوق لأمة أو عرق أو قوم على آخر. كما أن إسناد صفات عامة إلى الشعوب، كأن توصف بالكرم أو الشجاعة أو النبل أو الفروسية، لا يعكس الحقيقة بقدر ما يغذي الخطاب العاطفي ويعزز العصبيات.


ولا شك أن «الجغرافيا قدر»، لكن التجربة التاريخية أيضًا تُنتج سمات تنتقل عبر الأجيال وتترك أثرها في المجتمعات. فعلى سبيل المثال، يمكن القول إن الأكراد، بحكم عيشهم في مناطق جبلية وعرة، اكتسبوا طابعًا قتاليًا ونزعة انغلاقية نسبيًا. وبالمثل، اكتسب الأتراك، بفعل مسار التاريخ، خبرة واسعة في التنظيم وبناء الدولة وتشكيل الجيوش. ولا ريب أن الحروب والانتصارات والهزائم والفتوحات أو فترات الاحتلال والانكماش التاريخي تترك انعكاساتها على الأجيال اللاحقة وعلى الأفراد. فمفاهيم مثل «الأمة»، و«الرؤية العابرة للحدود»، واندماج الهوية بالدين، وفكرة «الدولة الكريمة»، وقيم الأخوة والتضامن والتعاون، كلها نتائج رسختها التجربة التاريخية في وجداننا حتى أصبحت جزءًا من تكويننا.


إن ما نسميه اليوم «العلم» نشأ — إلى حد كبير — بوصفه أحد مخرجات فنون الحرب. فليس علم الفيزياء أو الكيمياء أو الأحياء أو الرياضيات وحدها، بل حتى علوم الاجتماع وعلم النفس والأنثروبولوجيا والاقتصاد واللسانيات، لم تتطور فقط لكشف أسرار الكون، بل نشأت أيضًا وتطورت بوصفها أدوات للحرب والهيمنة. فمن يستطيع إنكار أن العلوم الطبيعية خدمت تطوير أسلحة أكثر فتكًا، وأن العلوم الاجتماعية استُخدمت في معرفة العدو وتصنيفه وتفكيكه وإقناعه وإفساده واستغلاله؟


واليوم، بينما تعيش منطقتنا حالة احتلالٍ صليبي، فإن الأخطر من ذلك هو الهجوم المكثف على أرواحنا وعقولنا وعلى ميراثنا التاريخي الذي يصوغ هويتنا، وعلى معتقداتنا، أي على جوهر تكويننا. ولا بد من إدراك أن هناك جهودًا خارجية مكثفة تهدف إلى فصل العرب والأكراد والأتراك، ليس فقط عبر الحدود الجغرافية، بل على المستوى الفكري والروحي والوجداني أيضًا.


لقد قاوم الأتراك، خلال القرون القليلة الماضية، كابوس «التغريب» الذي خيم عليهم، مستندين إلى خبرتهم التاريخية وإرثهم الحضاري. ورغم أن محاولات تغيير هذا الإرث أثرت في بعض فئات المجتمع، فإن الغالبية ما زالت تحمل ميراثها التاريخي.

أما الأكراد فظلّوا أكثر عرضة لهذه الهجمات. فبينما اصطدمت الكمالية التركية عند نقطة ما بحائط حد من اندفاعها، فإن ما يُسمّى بالكمالية الكردية، أي تنظيم بي كا كا، كان — لنعترف بذلك — مؤثرًا بدرجة كبيرة في إفساد جوهر الأكراد.

غير أن الهزائم التي مُني بها تنظيم بي كا كا في تركيا وسوريا قد تفتح الباب أمام صحوة كردية جديدة. إذ يمكن للعرب والأكراد والأتراك أن يعيدوا، مرة أخرى، بناء خطابٍ جديد وفكرٍ جديد منسجم مع جذورهم التاريخية، قائم على رؤيةٍ أممية وروابط أخوة، بما يحيي تلك الروح القديمة.

إن التحرر من اللغة السامة والفكر الذي فرضه تنظيم بي كا كا، وإعادة بناء لغة وفكر أصيلين منسجمين مع التجربة التاريخية والهوية الحضارية، سيكون الخطوة الأولى في هذا الطريق.

#الأكراد
#تركيا
#سوريا
#تنظيم بي كا كا الإرهابي