من إسطنبول إلى العالم

08:007/02/2026, Cumartesi
تحديث: 9/02/2026, Pazartesi
طه كلينتش

قبل عدة سنوات، وعند زيارتي الأولى للهند، حرصنا، رغم ضيق برنامج الرحلة، على التوقف في مدينة لكناو، حيث تجولنا في صرحها العلمي الشهير «دار العلوم ندوة العلماء». تأسست هذه المؤسسة عام 1892، ومنذ ذلك الحين خرجت عددًا كبيرًا من الأسماء البارزة. ولا شك أن أشهر خريجيها ومنتسبيها على مستوى العالم الإسلامي هو أبو الحسن الندوي (1914–1999). ويُعدّ كتابه المؤثر «ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين» من النصوص المهمة التي ينبغي أن تكون في متناول كل مثقف مسلم. وأتذكر بابتسامة وامتنان كيف استُقبلنا بحفاوة ودفء عندما

قبل عدة سنوات، وعند زيارتي الأولى للهند، حرصنا، رغم ضيق برنامج الرحلة، على التوقف في مدينة لكناو، حيث تجولنا في صرحها العلمي الشهير «دار العلوم ندوة العلماء». تأسست هذه المؤسسة عام 1892، ومنذ ذلك الحين خرجت عددًا كبيرًا من الأسماء البارزة. ولا شك أن أشهر خريجيها ومنتسبيها على مستوى العالم الإسلامي هو أبو الحسن الندوي (1914–1999). ويُعدّ كتابه المؤثر «ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين» من النصوص المهمة التي ينبغي أن تكون في متناول كل مثقف مسلم.

وأتذكر بابتسامة وامتنان كيف استُقبلنا بحفاوة ودفء عندما دخلنا أنا وصديقي العزيز أحمد أنس باشقايا، الذي رافقني في الرحلة إلى «ندوة العلماء» من دون أي توصية أو معرفة مسبقة، بل بصفة «زائرين قادمين من تركيا» فحسب. فقد اصطحبنا مسؤولو المدرسة في جولة داخل الصفوف، والمسجد الذي يتلقى فيه الطلاب الصغار دروسهم في تلاوة القرآن، والمكتبة التي تضم الكتب الشخصية للشيخ الندوي رحمه الله، إلى جانب المباني الإدارية. بل إن أحد الأساتذة الشباب تكلف مشكورًا بالإجابة مطوّلًا عن أسئلتنا حول المدرسة باللغتين العربية والإنجليزية.


وما دمنا قد وصلنا إلى لكناو، فلم يكن من الممكن أن نفوّت زيارة قرية «تكية كلان» التي وُلد فيها أبو الحسن الندوي ونشأ، ثم أمضى فيها أواخر حياته حتى وفاته. وقد وصلنا إلى هذه القرية النائية التابعة لبلدة راي بريلي، بعد أن مررنا بمناطق سكنية للمسلمين والهندوس، وشقّقنا طريقنا عبر طرق موحلة شديدة السوء.

بدت «تكية كلان» وكأنها تعيش في زمن يعود إلى قرون مضت. وفي أجواء يخيم عليها صمت وسكينة لافتان، كانت المدرسة التي أسسها الندوي ما تزال تواصل رسالتها التعليمية. وقد اصطحبنا أحد أفراد العائلة إلى منزل الشيخ الندوي، حيث بقيت طاولته التي كتب عليها مؤلفاته، ودفاتره، وأدوات الكتابة الخاصة به، ومقتنياته الشخصية، بل وحتى السرير الذي توفي عليه، على حالها. وقليل هي الأماكن التي أثرت في نفسي بقدر ما فعلت تلك الغرفة البسيطة المتواضعة.


ولعل الأثر العميق الذي تركته هذه الزيارة في نفسي هو ما دفعني، خلال رحلات لاحقة إلى مناطق متفرقة من العالم الإسلامي، إلى التركيز أكثر على المؤسسات العلمية. ففي بخارى وجدت نفسي غير مرة مأخوذًا بأروقة مدرسة «مير عرب» الشاهقة. وفي مكة المكرمة شدت انتباهي جامعة أم القرى بكل تفاصيلها، وكذلك الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة. أما جامعة الأزهر في القاهرة، فلم تكن محط اهتمامي بسبب مسيرتها العلمية فحسب، بل أيضًا بسبب أدوارها المفصلية في مراحل مختلفة من التاريخ السياسي المصري.

وفي سراييفو أحببت مدرسة «غازي خسرو بك» أكثر، لما أحمله من إعجاب عميق بمؤسسها. وكانت مدارس «غازي عيسى بك» في نوفي بازار وسكوبيه تبدو لي دائمًا وكأنها نماذج حية لروح الفتح. وفي القيروان، وقفت في مدرسة سيدي عقبة التي يخيم عليها اليوم طابع العزلة، مستحضرًا صور الأزمنة الماضية. أما في فاس، فبينما كنت أتوضأ في فناء مدرسة القرويين، أرسلتُ الدعوات بالرحمة إلى روح فاطمة الفهرية التي أنشأت هذا الصرح عام 859م.


إن بعض هذه المؤسسات العلمية ما يزال قائمًا اليوم بصورة رمزية، فيما فقد بعضها الآخر مجده ونفوذه القديمين، وتعرّض بعضها لضربات السياسة القاسية حتى بات عاجزًا عن النهوض من جديد. ومع ذلك، لا شكّ أن تتبّع آثار هذه المؤسسات في جغرافيا العالم الإسلامي يقدم قراءة بالغة الفائدة والدلالة.


وعندما علمتُ بتعيين أحد رؤساء الشؤون الدينية السابقين في تركيا، البروفيسور الدكتور محمد غورمز، رئيسًا لجامعة تركيا الدولية للعلوم والتكنولوجيا الإسلامية، عادت تلك «الخريطة المدرسية» لتتجسد في ذهني من جديد. فالجامعة التي تتواصل اليوم على قدم وساق أعمال تأسيسها واجتماعاتها التحضيرية، مرشحة لأن تكون نافذة علمية واعدة تنفتح من إسطنبول على العالم، ولا سيما على العالم الإسلامي. ومن المنتظر أن تقدم الجامعة برامجها بثلاث لغات: التركية والإنجليزية والعربية، إلى جانب كادر أكاديمي متميّز من مختلف دول العالم.


ولا يفوتني هنا أن أشير إلى أنه كان من المفترض — بل ومن المنتظر — أن تُنشأ جامعة بهذا الحجم والرسالة في بلد مثل تركيا منذ زمن بعيد. ولكن يبدو أن لكل مشروع وقته المقدر. وبعد كل هذا التأخير، لم يعد أمامنا سوى بذل مزيد من الجهد والعمل الدؤوب لتحقيق الأهداف المرسومة.

#المؤسسات العلمية
#جامعة تركيا الدولية للعلوم والتكنولوجيا الإسلامية
#تركيا
#المؤسسات الدينية