تحويل مناطق النفط العثمانية إلى أراضٍ غير محسوبة علينا

06:0421/01/2026, Çarşamba
تحديث: 23/01/2026, Cuma
ياسين اكتاي

لنستحضر للحظة الأعوام 1906–1907، حين كان مشروع «الأمة التركية المنكفئة داخل حدود وطنية» مطروحًا للنقاش بين ضباط الدولة العثمانية. كان السلطان عبد الحميد الثاني لا يزال على العرش. ولم تكن الدولة العثمانية قد انسحبت كليًا من البلقان بعد. فسالونيك وماناستير، وجزء كبير من اليونان الحالية، كانت لا تزال ضمن السيادة العثمانية. بل إن العراق وسوريا ولبنان وفلسطين والأردن والسعودية واليمن ومصر وليبيا كانت جميعها تحت الحكم العثماني، وكانت هناك دولة قائمة، مستقرة نسبيًا، مهما قيل فيها. صحيح أن أعداءً كانوا

لنستحضر للحظة الأعوام 1906–1907، حين كان مشروع «الأمة التركية المنكفئة داخل حدود وطنية» مطروحًا للنقاش بين ضباط الدولة العثمانية. كان السلطان عبد الحميد الثاني لا يزال على العرش.

ولم تكن الدولة العثمانية قد انسحبت كليًا من البلقان بعد. فسالونيك وماناستير، وجزء كبير من اليونان الحالية، كانت لا تزال ضمن السيادة العثمانية. بل إن العراق وسوريا ولبنان وفلسطين والأردن والسعودية واليمن ومصر وليبيا كانت جميعها تحت الحكم العثماني، وكانت هناك دولة قائمة، مستقرة نسبيًا، مهما قيل فيها.

صحيح أن أعداءً كانوا يتربصون بهذه الدولة، لكن ضمن توازنات النظام الدولي آنذاك، كان الجميع يعترف بالدولة العثمانية ويعدّها واحدة من أكبر دول العالم. فحتى إن لم تكن ضمن الثلاث الأُوَل، فإن وجودها ضمن الخمس الكبار كان أمرًا لا جدال فيه. وفي مثل هذا الظرف، أن ينشغل ضباط الدولة العثمانية هوسًا بسؤال: «كيف نُنقذ هذا البلد؟» قد يكون هو التهديد الأكبر الذي كان ينخر الدولة من الداخل.

ممّن سينقذون البلاد؟ ما الذي كانت تملكه البلاد؟ وأي خطر كان يتهددها حتى تستوجب «الإنقاذ»؟

إن كتاب شكري هانيوغلو، الذي لم يُقرأ – برأيي – بما يستحقه بعد، «أتاتورك: سيرة فكرية»، يقدّم تصويرًا بالغ الدقة لكيفية تشكل أوساط «الضباط المنقذين» في تلك المرحلة، وللأجواء الفكرية والأيديولوجية التي صاغتهم وغذّتهم.

واليوم، لننقل روايتين مهمتين من مصدرين بارزين يسلطان الضوء على تلك الأجواء.

فلدى فالح رفقي أطاي – وهو المؤرخ الرسمي للجمهورية ولقصر تشَنكيا – كتاب مهم بعنوان «ما هي الكمالية؟». وفي مستهل هذا الكتاب، يذكر أن فكرة «الميثاق الوطني» لدى مصطفى كمال لم تتشكّل بعد الهدنة، بل ربما قبل ذلك بكثير، في أعوام 1906–1908.


ويعرض أطاي ذلك بوصفه دليلًا على بُعد نظر مصطفى كمال الاستثنائي. غير أن السؤال الأصح قد يكون: ما طبيعة الإسهام الذي قُدِّم في بناء مشروع «الأمة المنكفئة داخل حدود وطنية»؟

هل كان ذلك استشرافًا لمستقبل تركيا، أم نجاحًا مُنجزًا ضمن مخطط رسم لمصيرها؟ ثم أيّ نجاحٍ هذا؟ ذلك سؤال مستقل وحاسم.


وفي وصفه لأجواء النقاش آنذاك، يكتب فالح رفقي أطاي:


«مما سمعناه من كل واحد على حدة، نفهم أن أتاتورك كان منذ شبابه الأول مشغولًا بهمّ إنقاذ تركية الأتراك. أينما جلس ومع من اجتمع، سواء على مائدة شراب أو في مجلس لهو، كان موضوعه الوحيد: “كيف ننجو؟”. سمعتُ ذلك من جَبَسوي. ففي إحدى الأمسيات، ذهب فتحي أوكيار ومصطفى كمال وهما في سالونيك إلى أحد الملاهي. وفي تلك الفترة كان فينيزيلوس قد صعد إلى الجبال في اليونان من أجل كريت، كما كان في إيران بطل حرية آخر قد رفع راية التمرد في الجبال.


قال أحد الجالسين على المائدة:


– “لماذا لا نستطيع نحن أن نُخرّج أبطالًا مثلهم؟”


لم يترك مصطفى كمال هذا الموضوع. كان متمسكًا به بشدة. ضاق صدر فتحي وأراد تغيير المكان، فانتقلوا إلى ملهى آخر. لكن مصطفى كمال لم يكن يرى ما حوله؛ موضوعه هو نفسه. هذه المرة اصطحبهم فتحي إلى مكان فيه نساء، وانشغل هو باللهو مع من أعجبته، بينما كان مصطفى كمال يناقش مع جَبَسوي: فينيزيلوس، وفلان خان، والموضوع ذاته! طلع الفجر، فعاد فتحي إلى منزله. أما مصطفى كمال فأخذ صديقه إلى بيته. كانت أمه لا تنام قبل أن يعود وتقدّم له الفطور. لم يكن لدى الصديقين وقت للنوم؛ فقد كان عليهما الحلاقة والذهاب إلى أعمالهما. فاشتكى جَبَسوي لأمه:


– “ابنك أمسك بموضوع ولا يتركه أبدًا. أراد فتحي أن ننهض ونلهو قليلًا…”


– “فتحي عاقل.”


– “ذهبنا، وكان ابنك لا يزال في الموضوع نفسه. فأخرجنا فتحي من هناك أيضًا…”


– “فتحي عاقل…”


هكذا كانت كل اجتماعات أتاتورك مع أصدقائه حتى أيامه الأخيرة: جلسات نقاش جاد تتخللها أحيانًا لحظات ترفيه.»


ويتابع أطاي:


«نفهم من روايات الماضي أن أتاتورك لم يكن إمبرياليًا عثمانيًا. ففي منشورات دعاة المشروطية في باريس عام 1908، كان يُوعَد بأننا سنستعيد الأراضي التي فقدناها فور إسقاط نظام الاستبداد. وكان أتاتورك منذ أول ضباطيته عسكريًا ممتازًا، واقعيًا يعتمد على حسابات القوة.


وفي إحدى أمسيات سالونيك، طُرح هذا السؤال:


– “كلنا نريد إسقاط استبداد السلطان عبد الحميد، لكن لا أحد منا يقول ماذا سنفعل إذا سقط وبات الحكم بأيدينا.”


عرض الجميع أفكارهم، وحين جاء الدور على مصطفى كمال قال:


– “أرسم حدودًا لا تشمل في الروملي وآسيا الصغرى الأراضي التي ليست منا. وأسعى داخل هذه الحدود إلى إنقاذ وطننا وأمتنا.”


ولولا وجود أصدقاء أقوياء مثل جَبَسوي إلى جانبه، لتعرّض لهجوم الحاضرين. التخلي عن البوسنة والهرسك وكريت! التخلي عن سوريا وفلسطين والحجاز!


فوفق المشروطيين عام 1908، كنا سنستعيد البوسنة من النمسا–المجر، ومصر من إنكلترا. وكان مصطفى كمال في تلك الليلة هو مصطفى كمال “الميثاق الوطني” بعد عشر سنوات.»


يدرك فالح رفقي أطاي مدى خطورة هذا الطرح حتى بمعايير ذلك العصر. تخيلوا اليوم أن يُفتح نقاش حول «إنقاذ تركيا» ويُقترح، مثلًا، التخلي عن جزء من أراضيها لصالح جماعة إثنية ما. إن مجرد التفكير بالتنازل عن شبر من أرض الوطن، لأي سبب كان، لم يكن أمرًا طبيعيًا حتى آنذاك. ولذلك يعلم أطاي جيدًا نوع الهجوم الذي كان يمكن أن يتعرض له من يفكر بهذا الشكل، ولهذا يؤكد أن مصطفى كمال كان سيتعرض لهجوم شديد لولا وجود أصدقاء يدافعون عنه في كل الأحوال.


في تلك الأيام، كانت البوسنة والهرسك وكريت، وسوريا وفلسطين والحجاز، أراضيَ وطنية عثمانية، ولم يكن أحد يطرق باب الدولة مطالبًا بها. ومع ذلك، كيف نشأت بين الضباط العثمانيين فكرة التخلي عن تلك المناطق «لإنقاذ الدولة»؟ وكيف وجدت هذه الفكرة أنصارًا لها؟


وفي عبارة: «أرسم حدودًا لا تشمل الأراضي التي ليست منا»، متى بدأ تداول مفهوم «الأراضي التي ليست منا» بين الضباط العثمانيين؟ ففي تلك المرحلة، لم يكن لحديث «خيانة عربية» أي وجود يُذكر. فهذه الأراضي التي حكمتها الدولة العثمانية أربعة قرون، واعتُبرت أرضًا وطنية مندمجة تمامًا مع المركز، بل عُدّت من أعزّ أراضي الوطن، كيف ومتى ولماذا تحوّلت إلى «أراضٍ ليست منا»؟


بيت القصيد


إن هذه الأراضي، التي تُعدّ كلها مناطق نفطية، والتي كانت تحت الحكم العثماني منذ أربعة قرون، وتحملت الدولة العثمانية فيها – إن صح التعبير – العبء والمعاناة، كانت على وشك أن تمنح الدولة النفط والثروة. فكيف أمكن أن تنشأ بين الضباط العثمانيين، أو بين الاتحاديين، أو بين «تركيا الفتاة»، فكرة التخلي عنها باسم الدولة العثمانية؟

لمن كان سيخدم هذا المشروع الذي لم يكن لينفع الدولة العثمانية، بل كان كفيلًا بإسقاطها؟ ولصالح من كان يمكن أن يكون؟


سنواصل تناول هذا الموضوع من خلال روايات أخرى.

#الدولة العثمانية
#السلطان عبد الحميد
#تركيا