
برز التحرر الثقافي بوصفه الركيزة الثانية في منظومة هوس التحرر التي ظهرت عقب الحرب الباردة. والغاية المقصودة من ذلك هي تفكيك البنى الوطنية والمجتمعية. إذ تزعم هذه الطروحات أن البنية الوطنية في أصلها تكوين مصطنع، وأن الكيانات الثقافية التاريخية قد جرى قمعها داخله والسعي إلى طمسها؛ ومن ثم ينبغي تحريرها هي الأخرى. وعلى وجه الخصوص، يُفتح عدد كبير من الملفات على أساس إثني.
إن القوة الدافعة والمحرّكة لقضية التحرر الثقافي هي النزعة المجتمعانية (المدنية). فالقضية تُبنى أساسًا على ثنائية الأمة – المجتمع المدني. ووفقًا لهذا التصور، ينبغي إما إعادة تعريف الأمم القائمة عبر مساحات ثقافية مدنية، أو منح كل جماعة إثنية حق التشكل الوطني المستقل. وليس الأمر مقتصرًا على الإثنيات؛ إذ تُطرح كذلك الفوارق المذهبية باعتبارها كيانات وطنية مستقلة تستحق الاعتراف. ويُزخرف هذا الركن من فتنة التحرر الثقافي بقدرٍ كثيف من الشعبوية.
يحمل هذا الركن الفرعي من هوس التحرر الثقافي طابعًا قائمًا على أولوية الجماعة على حساب الفرد. ويُضفى عليه طابع القداسة عبر مطالب النزعة القومية. غير أن هناك ركنًا فرعيًّا آخر يعمل على مستوى الفرد/الجماعة. وفي هذا السياق تُعدّ حالة الحرمان أو الهشاشة المعيار الأساس. فقد أُطلقت حملات لا تُحصى من أجل الاعتراف بطيفٍ واسع ومتزايد من الهويات الجندرية، وضمان حصولها على حقوق المواطنة المتساوية.
كما تُعد الأضرار البيئية الناتجة عن التصنيع، من تلويث الطبيعة واختلال توازنها، جزءًا من هذا الركن؛ حيث يُعاد تعريف الطبيعة عبر تثقيفها أو إخضاعها لقراءات ثقافية جديدة. وتتراكم في هذا المجال حساسيات تُوظف تدريجيًّا بوصفها مؤشرات على نُخبوية الطبقة الوسطى.
وكما أشرتُ في كثيرٍ من مقالاتي السابقة، فإنني لم أناقش مدى مشروعية ادعاءات هذه الملفات الثقافية، بل اتخذتُ موقفًا نقديًّا في مسألتين أساسيتين. الأولى هي اللامبالاة بالظروف المادية التي تحيط بهذا الهوس والتقديس للتحرر.
إذ انتقدتُ الذين يزعمون أن التحرر الاقتصادي والتحرر الثقافي يُكمل أحدهما الآخر، ولا سيما اقتران اليمين الجديد واليسار الجديد بالهوس ذاته. أما المسألة الثانية فتمثلت في قناعتي بأن هذا العدد الهائل من الملفات لا يمكن أن يُشتق منه مشروع جامع، وأن الأحداث ستتطور في مسارات غير مرغوبة. وللأسف، فقد صح هذا التوقع؛ إذ أفضت النزعة التحررية الاقتصادية (الليبرتارية) إلى نشوء تفاوتات عميقة بين البشر يصعب إصلاحها. وعلى إثر ذلك، تحولت الحركات الثقافوية الجماعاتية إلى صراعات دموية، ونزعات قبلية جديدة، وظواهر متزايدة من كراهية الأجانب.
وأرى كذلك أن العلاقة بين هذين الركنين لم تعد، في الوقت الحاضر، وثيقة كما كانت في تسعينيات القرن الماضي. فقد أسهمت التطبيقات العملية لملفات التحرر الإثني والمذهبي، وما نتج عنها من صراعات دموية متصاعدة، في إثارة قلقٍ لدى الشرائح العليا من الطبقة الوسطى، مما دفعها إلى الابتعاد عن الشعبويات الثقافوية، والتركيز أكثر على حساسياتها المرتبطة بالبعد الفردي/الجماعي.
وأصف هذا التوجه بأنه إعادة إنتاج متزمتة لما يمكن تسميته «الذنوب المعادية للمثلية». فإذا تأملتم تعابير الوجوه والإيماءات ونبرات الصوت لدى من يوجهون اتهامات برهاب المثلية، فستلاحظون بسهولة أنهم يعكسون، في كثيرٍ من الأحيان، مشاعر كامنة في داخلهم.
والغريب أن هذا التزمت المتشدد يترافق مع ما يمكن وصفه بـ«التنبيل الذاتي». وخلاصة القول إنني أرى أن حالةً من الانقسام قد بدأت منذ الربع الأول من الألفية الثالثة؛ حيث تميل الشرائح العليا من الطبقة الوسطى إلى التفكك الثقافي وفقدان الروابط المجتمعية، بل والتعرض أحيانًا لردود فعل شعبية، وهو ما يمكن فهمه في هذا الإطار.
ويمكن تلخيص الحالة الراهنة لفتن التحرر في أربعة مظاهر رئيسية: كراهية الأجانب، والقبلية الجديدة، والصراعات الدموية، والتدين المتشدد المصحوب بعمليات التنبيل الاجتماعي. ولم تخلف هذه الظواهر في نهاية المطاف سوى خراب يقوم على انعدام المعايير؛ ولعل هذا كان الهدف الحقيقي المنشود.
قد يُطرح سؤال: ما علاقة ذلك بملف إبستين؟ إن كل هوس، بعد أن يبلغ مرحلة معينة، يتخلى عن أنماطه المألوفة، وينزلق إلى نزعة هامشية لا تشبع ولا تعرف حدودًا.
وكما أشرت في مقالاي عن هوس الاستهلاك، فإن كل تجربة استهلاكية لا تهدف إلى كبح الرغبة في الاستهلاك، بل إلى تعميقها وتهميشها بصورةٍ أكبر. والأمر ذاته ينطبق على هوس التحرر إذ تُضاعف الاختلافات على نحو متشظ، في سياق من اللامبالاة وانعدام المسؤولية، وربما إلى درجة تجعل التعايش المشترك أمرًا عسيرًا. ويعبر عن ذلك بوضوح ما يُعرف بحركات «بلس» (+) ضمن نموذج مجتمع الميم؛ حيث يتحول الهامش إلى شغفٍ وهوس، بل إلى غايةٍ قائمة بذاتها. فكل تجربة جديدة تُطرح بوصفها دعوة مفتوحة، من دون الالتفات إلى كلفتها.
وإذا كان من الممكن إدامة هذا المسار عبر الفئات الهشة، فمن الممكن أيضًا استمراره عبر الفئات المميزة. فالأسماء الواردة في ملفات إبستين، والتي ثبت ذهابها إلى تلك الجزيرة المشؤومة، تنتمي إلى الفئات التي استفادت من اتساع فجوة التفاوت العالمي.
وهناك تُمارس نزعاتهم الهامشية وفتنهم في معارض للخطايا، ويبدو أن الدافع الأساس لديهم هو تدمير البراءة. وربما تدفعهم إلى ذلك الخطايا التي غرقوا فيها حتى الأعماق، وربما يولد القضاء الشامل على البراءة شعورًا وهميًّا بالتطهر لديهم. ولا يمكن فصل ظواهر مثل تنظيم أثرياء إيطاليين رحلات صيدٍ للبشر في سراييفو، أو إقامة رحلات «سفاري» خاصة بالأطفال في إفريقيا، أو تحول السياحة الجنسية التي تستهدف الأطفال في الشرق الأقصى إلى صناعة متكاملة، عن ملف إبستين.
فالهدف واحد: تلويث البراءة والقضاء عليها. واختيار الأطفال ليس أمرًا عشوائيًّا، لأنهم يمثلون ذروة البراءة. ومن ثم فالقضية تتجاوز بكثير كونها انحرافًا جنسيا يُعرف بالبيدوفيليا؛ إنها قضية معاقبة البراءة ذاتها. إذ يضحى بملايين الأطفال.
وقد تناول صديقي الباحث ماهر أسن هذا الملف مؤخرًا في قناته على «يوتيوب»، عارضًا الأرقام والوقائع المرتبطة به. ومشاهدة هذا البرنامج كفيلة بأن تترك المشاهد في حالٍ تشبه حال ملاكمٍ تعرض لضربٍ مبرح، إن كان يمتلك قدرًا من الضمير. ووفقًا لما أورده، فإن حجم تجارة الأطفال عالميًّا يبلغ نحو 150 مليار دولار، وما خفي أعظم. أما خصوصية إبستين فتكمن في تحويل هذه الممارسات إلى طقوس خاصة عالية الإثارة.
وفي الواقع، لا أعلم كم بقي من الوقت، لكن يبدو أن التصدي لهذه الظاهرة ممكن عبر حملةٍ مشتركة يطلقها قادة عالميون يتحلون بالضمير. بل يرى ماهر أسن أن مبادرةً واحدة قد تكون كافية، ويؤكد أن ألف شرطي مدرب تدريبًا خاصا يمكنهم تنظيف هذا المستنقع. فما رأيكم؟ لقد تلوثنا، سواء سمينا ذلك تاريخًا أو مجتمعًا أو أفرادًا بالغين. وبينما نتخبط في هذا التلوث، أليست ابتسامة طفلٍ بريء هي ما يعيدنا إلى إنسانيتنا؟ وإذا فقدناها، فماذا يبقى لنا؟
اسم BIST محمي مع الشعار وفق شهادة ماركة محمية، لا يجوز الاستخدام دون إذن، ولا يجوز الاقتباس ولا التحوير، كل المعلومات الواردة تحت شعارBIST محفوظة باسم BIST ، لا يجو إعادة النشر. بيانات السوق توفرها شركة iDealdata Finans Teknolojiler A.Ş. بيانات أسهم BİST تتأخر 15 دقيقة