اثنان من سبعة - طه كلينتش

نحن نضع ملفات الارتباط بشكل مناسب وبطريقة محدودة ومشروعة مع سياسة البيانات. يمكنكم مراجعة سياسة البيانات الخاصة بنا للاطلاع على المزيد من التفاصيلمعلومات مفصلة..

عندما توفي مؤسس السعودية الملك عبد العزيز، في ٩ تشرين الثاني/نوفمبر ١٩٥٣، في مصيفه بقصر الطائف، كان قد ترك وراءه دولة من أقوى وأثرى دول الشرق الأوسط. الملك الذي فقد حياته إثر نوبة قلبية خلال نومه، عن عمر يناهز ٧٨ عامًا، كان قد ربط مصير بلاده بالولايات المتحدة الأمريكية، وذلك منذ اللقاء الشهير الذي عقده مع الرئيس الأمريكي آنذاك فرانكلين روزفلت، عام ١٩٤٥. وبذلك كان قد فتح الطريق بشكل قوي أمام الأمريكيين نحو الشرق الأوسط، الذي كان تحت سيطرة الإنجليز ورهن حكمهم. كما تم بذلك أيضًا منح النفط السعودي للولايات المتحدة.

إن عبد العزيز قبل أن يمت، كان قد أسس منهجية لطريقة تناقل العرش بين ورثته: كان الابن الأكبر الذي عيّنه عبد العزيز "وليًّا للعهد" كي يكون خلفًا من بعده، هو سعود بن عبد العزيز. أما من سيأتي بعده لحكم العرش، فلن يكون ابنًا للملك، بل يجب أن يكون أحد إخوته، أي أن العرش لن يكون من الأب للابن، بل من الأخ للأخ. كانت هذه طريقة سائدة آنذاك لدى القبائل العربية، إلا أن السبب الرئيسي وراء تشكيل "هيئة البيعة" في المملكة العربية السعودية "الحديثة"، هو منع نشوء صراع على العرش، والتنافس على السلطة.

لقد اختار عبد العزيز بادئ الأمر، ابنه "تركي" خلفًا من بعده. ولد تركي "الأول" عام ١٩٠٠، بينما كانت العائلة منفية إلى الكويت آنذاك، ومنذ سن مبكرة كان ملازمًا لوالده على الدوام، كما كان له نشاط خلال بعض الحروب. كما كان تركي يشبه أباه إلى حد بعيد من حيث الشخصية، كان شخصًا مبجلًا له وزنه بين قبائل شبه الجزيرة العربية. لقد عيّن عبد العزيز ابنه تركي الأول وليًّا للعهد قبل السيطرة على الحجاز، كما كان يظهر له اهتمامًا كبيرًا عن سائر أخوته.

إلا أنه عام ١٩١٩ ونتيجة لـ "الإنفلونزا الإسبانية"، لقي تركي الأول حتفه، بعد أن وصل الوباء لشبه الجزيرة العربية، إثر انتشاره حول العالم. بعد وفاة تركي، كان هناك أخوه الأمير فهد من أمه وضحة، كما هناك العديد من الأسماء البارزة الذين ينحدرون من عوائل حاكمة في شبه الجزيرة. لقد كانت وفاة تركي الأول على وجه الخصوص، صدمة هزّت الملك عبد العزيز، يشهد الذين كانوا حول الملك، عن شدة تأثره وحرقته حتى موته، إثر وفاة ابنه تركي.

تزوج الملك عبد العزيز للمرة الأولى عام 1894 من شريفة بنت صقر، إلا أنها لم تلبث سوى 6 شهر حتى فارقت الحياة، ليتزوج أخرى من بعدها، ولقد تزوج خلال رحلة عمره الطويلة أكثر من 20 مرة. ومن أجل عدم مخالفة تعاليم الدين الإسلامي، كان لا يمسك بأربع نساء بزواج شرعي في آن واحد. كانت الزوجة الأكثر تأثيرًا بين نسائه جمعاوات، هي حصة بنت أحمد السديري (1900-1969). كانت حصة بنت أحمد تنتمي إلى قبيلة السديري، والتي هي من أهم قبائل السعودية، وقد ولدت لزوجها عبد العزيز 8 ذكور و4 إناث، وبهذا تعتبر الزوجة الأكثر إنجابًا للذكور من زوجات الملك عبد العزيز. ولذلك السبب استطاعت كسب مودة أكبر من الملك المؤسس، فضلًا عن أنه كان يكن لها مكانة خاصة في قلبه منذ البداية.

بقي سبعة أولاد إذن على قيد الحياة من عبد العزيز وزوجته حصة، عرفوا لاحقًا بـ "السديريون السبعة"، كان عليهم أن يتحركوا سوية كي ينشئوا فيما بنيهم تحالفًا قويًّا وعميقًا من نوع خاص، كي يكون معينًا لهم على فتح جبهة لا تتصدع في حياة السياسة السعودية؛ فهد (1921-2005)، سلطان (1925 – 2011)، عبد الرحمن (1934 – 2017)، نايف (1934 – 2012)، تركي الثاني (1934 – 2016)، سلمان (1935)، وأحمد (1942).

لقد كان فهد وهو إحدى السديريين السبعة، الملك الخامس الذي حكم السعودية، بين 1982 و2005. أما سلطان ونايف، فقد توفيا في حياة الملك عبد الله الأخ غير الشقيق، بينما كانا وليّين للعهد إبان حكمه. بينما تولى سلمان عرش الممكلة عام 2015، وذلك بعد وفاة سلفه عبد الله. أما الابن الأصغر سنًّا والأخير، أحمد، فإنه قد فضّل البقاء بعيدًا عن الضوء، وذلك بعد تعيينه فترة وزيرًا للداخلية.

لقد أتم الملك سلمان حسب التقويم الهجري، 5 سنوات في حكم المملكة خلال الأيام القليلة الماضية. أما تعيينه لابنه محمد وليًّا للعهد لوحده، فإنه يعتبر تغييرًا في القاعدة التقليدية للحكم في السعودية، وهي نقل العرش من الأخ لأخيه، حيث جعلها من الابن لابنه محصورة في سلالته، وبذلك بات محمد بن سلمان الاسم الذي يفتتح مرحلة جديدة في تاريخ الممكلة.

لكن نظرًا للعديد من الأزمات، كجريمة قتل خاشقجي، وحرب اليمن، وحصار قطر، بات ينظر إلى هذه الحقبة كمرحلة فاشلة، ويبدو أنّ السبب الذي يقف في جرّ البلاد إلى حالة من عدم الاستقرار، هو أنّ الملك سلمان بن عبد العزيز لا يزال ينظر إليه كشخصية محترمة موزونة. ومع ذلك، وكما يعلم أيّ شخص مراقب عن كثب للملكة العربية السعودية، فإنّ الوضع القائم الآن ما هو إلا نوع من الصمت الذي يسبق العاصفة، ومع ذلك لا يعتبر وجود الملك سلمان إلا تأخيرًا لتلك العاصفة. وإلا لكان ابنه محمد، السمج الطموح؛ قد أطاح بأبيه وجلس على العرش دون انتظار. بالطبع، هناك سؤالان يبحثان عن إجابة: إلى أيّ مدى تبلغ قوة الأمير أحمد، آخر السبعة، في مفاصل الدولة، وما هي ردّة فعله؟. من المحتمل أن المرحلة القادمة تعتمد على الإجابة عن هذين السؤالين.

+

خبر عاجل

#title#