!العربية الخصبة.. ولكن

09:5531/01/2026, Cumartesi
تحديث: 31/01/2026, Cumartesi
طه كلينتش

بالنسبة لمن لا يعرفون تاريخ شبه الجزيرة العربية، قد يكون من المدهش حقًا أن يعلموا أن هذه الأراضي التي لا تُرى اليوم إلا باعتبارها امتدادًا لا نهائيًا من الرمال وحرارةً لافحة، كانت في زمن سحيق مغطاة بغابات كثيفة لم تطأها فؤوس البشر، وأن تلك الغابات كانت الموطن الأصلي لسلالات فريدة من النمور والفهود. أمر يبعث على الدهشة، لكنه حقيقة ثابتة؛ بل حقيقة راسخة إلى حدّ أن الأجزاء الجنوبية من شبه الجزيرة كانت تُعرف في العصور القديمة باسم «Arabia Felix»، أي «العربية السعيدة / الخصبة». ثم غلبت سنن الطبيعة، وتتابعت

بالنسبة لمن لا يعرفون تاريخ شبه الجزيرة العربية، قد يكون من المدهش حقًا أن يعلموا أن هذه الأراضي التي لا تُرى اليوم إلا باعتبارها امتدادًا لا نهائيًا من الرمال وحرارةً لافحة، كانت في زمن سحيق مغطاة بغابات كثيفة لم تطأها فؤوس البشر، وأن تلك الغابات كانت الموطن الأصلي لسلالات فريدة من النمور والفهود. أمر يبعث على الدهشة، لكنه حقيقة ثابتة؛ بل حقيقة راسخة إلى حدّ أن الأجزاء الجنوبية من شبه الجزيرة كانت تُعرف في العصور القديمة باسم «Arabia Felix»، أي «العربية السعيدة / الخصبة».

ثم غلبت سنن الطبيعة، وتتابعت موجات الجفاف والكوارث الطبيعية، فانقضت تلك العصور السعيدة التي جعلت أنظار العالم كله تتجه إلى الجزيرة العربية. وأصبحت «Arabia Felix» اليوم جغرافيا قاحلة مكسوّة بالصحارى.


غير أن الظن بأن هذا التحول الجذري في البنية الطبيعية قد قلل من أهمية الجزيرة العربية هو ظن مضلل. فالتقدير الإلهي شاء أن تبقى هذه الأرض حاضرة على مسرح التاريخ: جاء الإسلام أولًا واستقر في قلبها، ثم مع اكتشاف النفط عاد العالم مرة أخرى ليُوجه أنظاره إليها.


وفي عصرنا الراهن، ما تزال الثروات الطبيعية التي سحرت البشرية في الأزمنة الغابرة بخضرتها وخصوبتها في خدمة الإنسان، ولكن بعد أن غيرت شكلها، واتخذت اسم «النفط»، وخرجت من باطن الأرض لتكون سببًا في اندلاع حروب ضارية وصراعات دامية كلما تدفقت إلى السطح.


ومع انسحاب الدولة العثمانية من المشهد، وتوالي افتتاح آبار النفط، تدفقت الثروة إلى المنطقة، لتتحول شبه الجزيرة العربية في أيامنا هذه إلى كتلة مكتظة بالتناقضات. ففي حين يهتز جانب منها تحت وطأة الحروب والاحتلالات والصراعات، يعرض الجانب الآخر صورة متجسدة لقصة نجاح لامعة: مدن حديثة، ثراء ورفاه يفيض في الشوارع، وملايين يعيشون ـ في الظاهر ـ في بحبوحة بفضل دخل قومي يفوق المعدل العالمي.


لكن إلى أي مدى تبدو هذه الصورة من السعادة والرفاه دائمة وحقيقية؟


يرى من يؤكدون أن النفط ليس سوى وسيلة ثراء مؤقتة، وأنه سينضب لا محالة، أن ما سيحدث في شبه الجزيرة العربية بعد نضوب النفط أمر بالغ البساطة: سيعود العمال والخبراء القادمون من شتى أنحاء العالم لخدمة العرب إلى بلدانهم الأصلية، وعندها ستتحول المدن العربية المزدهرة من جديد إلى بلدات فقيرة قاحلة كما كانت قبل عصر النفط. ولا يخلو هذا النوع من التنبؤات المستقبلية، بطبيعة الحال، من قدر غير يسير من التمنّي.


وبغضّ النظر عن التوقعات المتشائمة للمستقبل، فإن النفط أوجد داخل العالم العربي ذاته حالة لافتة من الصراع والانقسام، وهي مسألة تستحق الوقوف عندها مليًّا:


فاليوم، تقف خلف كل تطور تقني واقتصادي وثقافي تشهده شبه الجزيرة العربية فاعليات عربية جاءت هاربة من الألم والفوضى في بلدانها، وفي مقدمتها فلسطين. فخلف كل مظاهر التقدم في الدول الغنية بالنفط (والغاز الطبيعي) مثل السعودية والكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة، تقف ـ إلى جانب الخبراء الغربيين ـ مساهمات وجهود العرب القادمين خصوصًا من فلسطين ولبنان ومصر.


لكن في المقابل، وكما يمكن لكل من شهد الواقع عن قرب أن يلاحظ، تسود بين العرب أنفسهم بنية هرمية صارمة تناقض هذه الحقيقة تمامًا: ففي القمة يقف عرب الخليج، يليهم ـ بشرط امتلاك التعليم ـ عرب شمال أفريقيا، ثم تأتي في المراتب الأدنى شعوب عربية من دول أفقر نسبيًا مثل سوريا ومصر ولبنان وفلسطين. فعند الحديث مع مواطن سعودي مثلًا، يمكن تلمّس هذه النظرة بوضوح بين سطور كلامه. وكذلك تظهر في الحياة اليومية أشكال صارخة من التمييز، بل وتحدث حالات إقصاء متكررة.


ومن الحقائق الاجتماعية الأخرى البارزة، ولا سيما في دول الخليج الغنية، الحضور الكثيف للعمالة المهاجرة القادمة من آسيا. فهؤلاء العمال ينتشرون في طيف واسع من الأعمال، من رعاية الأطفال إلى جمع النفايات، ومن العمل كنُدُل إلى قيادة سيارات الأجرة، أي في مختلف «الخدمات الدنيا» في المجتمع. الأعمال التي لا يكاد العربي الثري يرضى بالقيام بها، تُترك للآسيويين المصنفين بوصفهم «بشرًا من الدرجة الأدنى».

ومشهد الشاب الآسيوي الأسمر الذي يركض متصبب العرق لتلبية طلب «السيد العربي الغني» الجالس في سيارته الفارهة أمام متجر ما، لا يزال مشهدًا مألوفًا للغاية، خصوصًا في دول الخليج. إن نظامًا طبقيًا محسوسًا وملموسًا يسود بين طبقات المجتمع.


وخاصة في سياق القضية الفلسطينية، كثيرًا ما يُطرَح القول بأن «العالم الإسلامي لم يستطع أن يكون إخوة بحق». وربما يكون من الأجدى مناقشة المسألة من زاوية أعمق: كيف يمكن إزالة هذا الانقسام داخل الصف العربي نفسه؟ إذ إن بدايات كثير من المشكلات تكمن هناك.

#الجزيرة العربية
#النفط
#اليمن السعيد
#الأرض الخصبة
#شبه الجزيرة العربية