ماهية المعرفة.. حدود تخيل الإنسان

09:5318/01/2026, Pazar
تحديث: 28/01/2026, Çarşamba
يوسف قابلان

اليوم أقدم لكم نصًا نفيسًا يناقش ماهية المعرفة والعلم، ومعناهما وحدودهما. أضع بين أيديكم الجزء الأول من المقال الذهني العميق الذي كتبه أستاذ الرياضيات، وأحد الطلبة الملازمين في «مدرسة تصور الحضارة» (MTO)، الأستاذ محمد وارجي، والذي يقدم فيه قراءة فلسفية في المعرفة والإدراك. قراءة محفزة للعقل وموسعة للأفق… العمى المزدوج الطريق إلى الإمساك بشيء ما يكون إما بملاحقته من الخلف، أو بسلوك طريقٍ آخر والالتفاف للوصول إلى مقدمته. كلا الخيارين يفرضان شرطًا واحدًا: أن تكون أسرع. فلا يمكن اللحاق بشيء إلا إذا

اليوم أقدم لكم نصًا نفيسًا يناقش ماهية المعرفة والعلم، ومعناهما وحدودهما. أضع بين أيديكم الجزء الأول من المقال الذهني العميق الذي كتبه أستاذ الرياضيات، وأحد الطلبة الملازمين في «مدرسة تصور الحضارة» (MTO)، الأستاذ محمد وارجي، والذي يقدم فيه قراءة فلسفية في المعرفة والإدراك. قراءة محفزة للعقل وموسعة للأفق…

العمى المزدوج


الطريق إلى الإمساك بشيء ما يكون إما بملاحقته من الخلف، أو بسلوك طريقٍ آخر والالتفاف للوصول إلى مقدمته. كلا الخيارين يفرضان شرطًا واحدًا: أن تكون أسرع. فلا يمكن اللحاق بشيء إلا إذا فاقت سرعتك سرعته، كما أنّ الالتفاف والتقدّم عليه لا ينجح إن كانت سرعتك أدنى من سرعته، إذ سيعاود تجاوزك لا محالة. وعندما ننظر إلى تاريخ البشرية، نلحظ بوضوح أنّ الحضارات كانت دائمًا في حالة مطاردة متبادلة.


تُظهر لنا التجربة التاريخية أنّ لا شيء باقٍ سوى الخالق. غير أنّ الإنسان، بطبيعته النسيانة، يعيش اللحظة ما دام في قلبها، لكنه يعجز عن الشهادة عليها. ولا يدرك هذه الشهادة إلا من تحلّى بوعي الأمانة. فحقًا، نفهم ما هو الشيء حين ننظر إليه من بعيد، وندرك ما ليس هو حين نقترب منه كثيرًا. أمّا إذا كنّا في داخله تمامًا، فإن نظرتنا تُحاصَر بحدوده، ويضيق إدراكنا مع الزمن، ويبدأ العمى.


وعندما ننظر إلى الحال الذي وصل إليه العالم الإسلامي اليوم، لا بدّ أن نعترف بأننا نعيش هذا العمى بعينه. نحن في دوّامة لا نرى فيها أنفسنا، ولا نكاد نُدرك الأمواج التي تحيط بنا. وبدل أن نحاول مقاومة الدوّامة، نندفع ـ على نحوٍ متناقض ـ نحو مركزها المظلم، إلى أعماقها المعتمة، ظانّين أنّ بلوغ المركز سيحوّلنا من منجرفين إلى صانعين للدوّامة نفسها.

في هذا الصراع المختل، تغيب عن أنظارنا ثلاثة عناصر أساسية: إرادة الله، وسنّة الله في الكون (سُنّة الله)، وحدود الاكتشاف الإنساني. وفي إطار هذه العناصر الثلاثة، سأحاول تناول موقع الإسلام في العصر الحديث، وموقف المسلمين، وعقدة التخلّف في مواجهة الغرب.

الإيمان والمعرفة والفعل

لو ادعى شخصٌ ما النبوة اليوم، وراح يعرض أحداثًا تشبه المعجزات ليثبت صدقه، فهل سيؤمن به الإنسان المعاصر؟ إن إنسان اليوم، الذي اعتاد تفسير كل شيء بعلاقة السبب والنتيجة، سيحاول ـ على الأرجح ـ تفسير ما يشهده بمعايير علمية بحتة. الفيزيائي، والكيميائي، والرياضي، وعالم النفس… كلٌّ منهم سيتناول الحدث الخارق من زاوية تخصّصه؛ فهذا يربطه ببنية المادة، وذاك بانكسار الضوء، وآخر بالتحليل النفسي. وباختصار، سيحمل الحدث إلى مختبره بوصفه مادّة للدراسة. في زمن كهذا، يصبح «الإيمان» فعلًا بالغ الصعوبة.


لقد أُوتي الإنسان من العلم قليلًا. ولا يستطيع خيال الإنسان أن يتجاوز حدود العلم الذي مُنح له. وما وراء هذه الحدود هو عالم الغيب، ومفاتيحه عند الله وحده. فأيّ مخلوق يملك القدرة على تجاوز حدودٍ هي في حفظ الله ورعايته؟


حين ننظر إلى ما بلغه العالم اليوم، تبهرنا التطوّرات التكنولوجية، ويزداد خيالنا اتساعًا مع كل اكتشاف جديد بوتيرة متسارعة وغير متكافئة. ولا سيما القفزات المذهلة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي تبثّ الرعب في النفوس وتغذّي نبوءات نهاية البشرية. هذه التطوّرات المذهلة فتحت أمام صناعة السينما مجالًا واسعًا لإعادة إنتاج أفلام «الخيال العلمي».


هذا الخيال المتضخّم، الذي يكبر ككرة ثلج، يسلب الإنسان عقله، ويستبدل به جرأة التحدّي في مواجهة الله. فالإنسان الذي فقد اتزانه العقلي يبدأ، بجرأة لا تعرف حدودًا، في تحدّي نفسه ومجتمعه والطبيعة، بل وحتى الإله. غير أنّ تحدّي الإنسان لله، وقد خُتم على قلبه وسُدّت أذناه وحُجبت عيناه، لا يعدو كونه معركة عمياء من طرف واحد.


أمّا التقدّم العلمي والتكنولوجي، فقد قُرئ من قبل المسلمين قراءة مختلفة تمامًا. فكثير من الاكتشافات الكبرى التي أحدثت تحوّلات محورية في تاريخ العالم، فُهمت لدى المسلمين على أنها تدخّل في سنن الله، فنشأ تجاهها ردّ فعلٍ مضاد. ومع الزمن، أخلّ هذا الميل المتناقض بتوازن القوى بين المسلمين والغرب، على حساب المسلمين.


بينما كان الغربيون يجوبون العالم، كانوا يكشفون آثار بدايات الخلق، ويتتبعونها، ويستثمرون ما أُوتي الإنسان من علمٍ قليل ليتعلّموا ما يجهلونه. في المقابل، بدأ المسلمون يبتعدون عن الفهم الصحيح لحقيقة أنّ سنن الله لا تتبدّل. وكان لهذا الابتعاد نتائج ثقيلة، أطلقت سلسلة طويلة من الهزائم والتراجعات المستمرة عبر القرون.


اللعب في ساحة يحددها الآخرون


في مبارزة تحدد قواعدها من قبل الخصم، ويُبنى ميدانها بأيديه، ويشكّل جمهورها من مهلّليه، تصبح الهزيمة شبه حتمية. مهما كانت خطواتك صحيحة وقوية، فإن ما يُقابل بالاستهجان هو وجودك أنت، وما يُقابل بالتصفيق هو عجز خصمك.


وفي مثل هذه الساحة، يفقد الإنسان ذاته مع الوقت؛ فلا يعود يلعب من أجل النصر، بل من أجل المدرّجات. وهذا بالضبط ما آل إليه حال المسلمين خلال القرنين الأخيرين. لقد حُصرنا داخل حدود الخيال التي رسمها الله لنا، لكن بين مدرّجات الآخرين. وكلما حاولنا مغادرة هذا الميدان المصطنع، جاءت الهتافات لتعيدنا إليه بالتصفيق.


حين يُقيد الخيال، تُسد البصيرة. وبدل أن نبحث عن آفاق تفتح الطريق أمامنا، نبحث عن سبيلٍ في ظل الغرب. وفي هذا البحث، مهما بلغت نوايا المفكرين المسلمين من صدق وإخلاص، فإن البوصلة والخرائط التي نستخدمها تظلّ تشير إلى روما، وتعرض الخلاص هناك. لا يكفي أن يكون الزاد الذي نحمله زادًا مسلمًا، بل لا بدّ أن تكون المائدة التي نقيمها مائدتنا نحن.


حتى هنا، حاولت ـ في إطار تمهيدي ـ أن ألفت الانتباه، عبر الاستعارات، إلى عمق المأزق الذي سقطت فيه الإنسانية، وإلى أزمة الحضارة التي يعيشها المسلمون داخل هذا المأزق. وبإذن الله، سأحاول في الأجزاء القادمة النظر إلى هذه الأزمة من زوايا مختلفة، والبحث عن مخارج عملية وملموسة.

السعي منّا، والتوفيق من الله.

#المعرفة
#ماهية العلم
#الوعي
#الإنسان والمعرفة