
- عائدون: فور وصولنا إلى غزة عادت إلينا الروح، لا ننصح أحدا بالخروج منها - الكاتب والمحلل إياد القرا: مخطط التهجير الإسرائيلي فشل مع وصول أول عائد لغزة - مصدر حكومي: خيار العودة لغزة في ظل الواقع الكارثي أخف وطأة من البقاء بالغربة - إسرائيل مارست في معبر رفح إجراءات عقابية ضد العائدين وحاولت ابتزازهم
"فور وصولنا إلى غزة رُدت إلينا الروح وعادت أنفاسنا".. بهذه الكلمات لخصت الفلسطينية فداء عمران مشاعرها لحظة عودتها إلى قطاع غزة عبر معبر رفح الحدودي مع مصر.
ومع إعادة فتح المعبر في 2 فبراير/ شباط الجاري تتوالى عودة العالقين ولمّ شمل عائلات فرقتها الإبادة التي ارتكبتها إسرائيل أكثر من عامين، في مشهد يؤكد أن مخططات تهجير الفلسطينيين والاستيطان في القطاع قد تبددت.
العودة لا يضاهيها شيء
بالعناق والبكاء، التم شمل فداء ووالدتها وأخواتها مع والدهم الذي استقبلهم بحرارة في "مستشفى ناصر" بمدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، بعد رحلة علاج طويلة.
تقول عمران للأناضول: "الخدمات متوفرة في الخارج، إلا أنه لا شيء يضاهي شعور العودة للوطن والتواجد بين الأهل والأحباب".
وأوضحت أنها انتظرت لحظة العودة بفارغ الصبر، وأنها نسيت المعاناة التي مرت بها أثناء رحلة العودة بمجرد أن وطأت قدماها أرض غزة.
وتنصح عمران الفلسطينيين بعدم التفكير في مغادرة القطاع، وتقول: "لا مكان أفضل من غزة".
وفتحت إسرائيل معبر رفح في 2 فبراير بشكل محدود جدا وتحت قيود مشددة وإجراءات معقدة، بعد إغلاق دام منذ مايو/ أيار 2024 حين اجتاح الجيش الإسرائيلي مدينة رفح.
وتضع إسرائيل عراقيل أمام حركة السفر عبر المعبر ذهاباً وإياباً، ولم تلتزم بالأعداد المفترضة للتنقل بموجب وقف إطلاق النار منذ 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، وفق مصادر حكومية في غزة.
ارتباط بالوطن وتمسك بالعودة
ومثلت مشاهد عودة العالقين عبر المعبر، واستقبال ذويهم في لحظات إنسانية مؤثرة، مؤشرا آخر على تمسك الفلسطينيين بأرضهم، وإصرارهم على إفشال مخططات التهجير الإسرائيلية.
ورغم حجم الدمار بفعل الإبادة الإسرائيلية، تفيد معطيات بتسجيل نحو 80 ألف فلسطيني في الخارج أسماءهم للعودة إلى غزة.
وبحسب مراقبين، يبعث هذا الإصرار على الإحباط لدى صناع القرار في إسرائيل، الذين أعلنوا بمناسبات عديدة سعيهم لتهجير الفلسطينيين وإفراغ قطاع غزة.
من جهتها، تصف العائدة تهاني عمران، الغربة بأنها "لحظات العذاب بسبب فراق الأهل والبعد عن الوطن"، مضيفة أنها تنفست الصعداء فور وصولها لغزة، وتضيف: "وُلدنا فيها (غزة) وسنموت فيها".
وعن معاملة الجيش الإسرائيلي أثناء المرور من معبر رفح تقول تهاني إنها تعرضت لمضايقات وتنكيل، وتتابع: "قيدوا يديّ وأغموا عينيّ، وأجروا معي تحقيقا لقرابة ساعة ونصف".
فرحة لا توصف
وفي ركن آخر من ساحة المستشفى، يقف الشاب حسام المنسي مبتهجاً بالعودة، معتبرا أن شعوره "لا يوصف"، بعد لقائه بزوجته وأبنائه.
وغادر المنسي إلى مصر خلال الحرب جراء إصابة في القدم، وفضّل العودة قبل استكمال العلاج بعد إعادة فتح معبر رفح.
يقول إن "تراب غزة يساوي الدنيا وما فيها، ورغم الدمار وضيق العيش إلا أنها في نظري أفضل بلد في العالم".
ويتابع: "لا أنصح أحداً بالخروج من غزة لأنه سيندم على ذلك، فليس لنا إلا وطننا".
ويذكر أنه تلقى رعاية طبية وإنسانية في مستشفيات مصر، وأن المصريين "لم يقصروا في شيء، إلا أن الوطن شيء مختلف (..) لديّ 7 أبناء، ورؤيتي لهم واحتضانهم لا يضاهيه شيء".
إفشال التهجير
وفي قراءته للمشهد، يرى المحلل السياسي إياد القرا أن مجرد وصول أول عائد إلى غزة هو "إفشال لمشروع التهجير الذي سعت إليه إسرائيل، وما زالت".
ويقول القرا للأناضول، إن بُعدين أساسيين يفسران مشهد عودة العالقين، أحدهما إنساني، والآخر وطني وسياسي.
ويوضح أن البعد الإنساني يتمثل في الحاجة إلى جمع شمل العائلات التي فرقتها الحرب، فضلاً عن الأوضاع المعيشية الصعبة التي يعاني منها من خرجوا من غزة، ومعظمهم مرضى وجرحى بحاجة لرعاية خاصة.
ويتابع: "حينما يفاضل الفلسطينيون بين العيش في معاناة الغربة أو داخل الوطن، فبالتأكيد سيفضلون المعاناة في وطنهم وبين أهلهم".
أما البعد الوطني، فيعتبره حاسما في قرار العودة، فـ "الفلسطيني يشعر أنه جزء من مشروع وطني في مواجهة مخططات التهجير الإسرائيلية، وهناك وعي لدى مختلف شرائح الفلسطينيين".
ويردف: "التنشئة الوطنية الفلسطينية تقوم على فكرة التمسك بالأرض والهوية"، مبينا أن ذلك "تمثل جلياً خلال الحرب بإصرار النازحين على العودة من جنوبي غزة إلى بيوتهم المدمرة في الشمال، فور سريان وقف إطلاق النار".
انزعاج وتنكيل
ويُقدر القرا أن "إسرائيل منزعجة جداً من إصرار الفلسطينيين على العودة"، و"يتبين ذلك من خلال تعرض العائدين لانتهاكات وتنكيل خلال التحقيق معهم، تعكس إحباطاً لدى الجيش من إصرارهم على العودة إلى الدمار والخيام".
ومما يدلل على ذلك، وفق المحلل الفلسطيني أن "إسرائيل كانت تريد أعدادا أقل للعائدين مقابل المغادرين"، مشيراً إلى أنها تنتهك حالياً الاتفاق بوضعها قيوداً على أعداد القادمين والمغادرين.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تبنى منذ 25 يناير/ كانون الثاني 2025 مخطط إسرائيل لتهجير فلسطينيي غزة إلى دول مجاورة مثل مصر والأردن، وهو ما رفضه البلدان، وانضمت إليهما دول عربية أخرى ومنظمات إقليمية ودولية.
وفي 4 مارس/ آذار 2025 اعتمدت قمة عربية طارئة بشأن فلسطين خطة قدمتها مصر لإعادة إعمار غزة دون تهجير الفلسطينيين منها، على أن يستغرق تنفيذها خمس سنوات، وتكلف نحو 53 مليار دولار.
ووفق شهادات عائدين، فقد مارس الجيش الإسرائيلي ضدهم إجراءات عقابية تمثلت في التقييد وتعصيب الأعين والاحتجاز لساعات، فيما عُرض على بعضهم أموالا مقابل العودة إلى مصر أو التعاون الأمني.
ويردف القرا بالقول إن "إسرائيل تستخدم أساليبها المختلفة من أجل تهجير الفلسطينيين واقتلاعهم من أرضهم، لكنها تفشل بذلك في كل مرة".
وحول العراقيل الإسرائيلية، قال مصدر حكومي في غزة للأناضول إن عمل معبر رفح لا يسير بالشكل المطلوب، رغم إعادة فتحه منذ أسبوعين.
وأضاف المصدر - فضل عدم نشر اسمه - أن "عودة العالقين وفق الآلية الحالية ستستغرق سنوات، بينما الأصل أن يعود هؤلاء خلال فترة بسيطة".
وأوضح أن ذلك يأتي ضمن سياسة العرقلة والمماطلة، مضيفاً أن "إسرائيل تستخدم كل الوسائل للتنغيص على الفلسطينيين في مختلف مناحي حياتهم".
وتابع: "طوال عقود مضت كان مخطط التهجير وإفراغ قطاع غزة من سكانه حاضراً لدى الاحتلال، لكنه فشل في تطبيقه أمام طبيعة الإنسان الفلسطيني التي تحرص على التشبث بالأرض".
ورأى أن الواقع الإنساني بغزة "كارثي بدرجة كبيرة، لكن الفلسطيني لا يجد في الغربة دوماً ملجأ آمناً، لذا يصبح خيار العودة في ظل الواقع الكارثي أخف وطأة من الاستمرار بالغربة".
وتشير أحدث الإحصائيات إلى أن 811 مسافراً فقط من أصل ألفين و800، تمكنوا من عبور معبر رفح ذهابا وإيابا، منذ إعادة فتحه.
وقال المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، إن "نسبة التزام إسرائيل بأعداد المتنقلين عبر المعبر في الفترة ما بين 2 و15 فبراير لا تتجاوز 29 بالمئة".
ولم يذكر المكتب المرجعية التي استند إليها في تحديد الرقم الإجمالي للمسافرين الذين من المفترض عبورهم من رفح.
لكن كان متوقعا، وفق تفاهمات تحدث عنها إعلام عبري ومصري، أن يعبر إلى القطاع 50 فلسطينيا، وإلى مصر 50 مريضا مع مرافقين اثنين لكل شخص.
وتشير تقديرات فلسطينية إلى أن 22 ألف جريح ومريض بحاجة لمغادرة القطاع لتلقي العلاج، في ظل الوضع الكارثي للقطاع الصحي جراء تبعات الإبادة الإسرائيلية.
وتفيد معطيات بتسجيل نحو 80 ألف فلسطيني أسماءهم للعودة إلى غزة، في مؤشر واضح على إصرار الفلسطينيين على رفض التهجير.
وقبل الإبادة الإسرائيلية، كان مئات الفلسطينيين يغادرون غزة يوميا عبر المعبر، ويعود مئات آخرون إلى القطاع في حركة طبيعية، وكانت آلية العمل في المعبر تخضع لوزارة الداخلية في غزة والجانب المصري، دون تدخل إسرائيلي.
وكان من المفترض أن تعيد إسرائيل فتح المعبر في المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار، الذي بدأ في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، لكنها تنصلت من ذلك.
وبدعم أمريكي بدأت إسرائيل في 8 أكتوبر 2023 إبادة جماعية بغزة، استمرت عامين وخلّفت أكثر من 72 ألف قتيل فلسطيني وما يزيد على 171 ألف جريح، معظمهم أطفال ونساء، ودمارا طال 90 بالمئة من البنية التحتية المدنية.






