
يدعو السفير الفلسطيني في لندن الحكومة البريطانية للتدخل لوقف ما وصفه بـ"المحو التاريخي"، بعد إزالة إشارات إلى فلسطين من معروضات المتحف البريطاني واستبدالها بمصطلحات جغرافية أخرى، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً حول استقلال المؤسسات الثقافية ودورها في الصراعات السياسية.
دعوة عاجلة للتدخل الحكومي
طالب حسام زملط، ممثل فلسطين الدبلوماسي لدى المملكة المتحدة، الحكومة البريطانية بالتحرك الفوري لإنهاء ما وصفه بمحاولة طمس الهوية التاريخية. وفي لقاء جمعه بنيكولاس كولينان، المدير التنفيذي للمؤسسة الثقافية الشهيرة، الشهر الماضي، نقل السفير اعتراضاته الرسمية على الإجراءات الأخيرة، لكنه لم يحصل على ضمانات بإعادة النظر في التعديلات المثيرة للجدل.
ورفض الدبلوماسي الفلسطيني، في رسالة رسمية وجهها مطلع أبريل الجاري، الاستمرار في التعاون مع إدارة المعرض عبر جولات أو زيارات قد تفسر على أنها اعتراف ضمني بالوضع الراهن. وأكد استعداده لاستئناف الحوار فور اتخاذ خطوات عملية لاستعادة التسميات الأصلية.
تعديلات مثيرة للجدل في المعرض
شملت التغييرات التي أدخلها القيمون على المتحف، وباتت معروفة في فبراير الماضي، استبدال اسم الدولة الفلسطينية بعبارات "الضفة الغربية وقطاع غزة" في خريطة توضيحية تستعرض الدول المعاصرة ضمن حدود بلاد الشام التاريخية. كما شهدت بعض اللوحات إزالة صفة "فلسطيني" واستبدالها بـ"كنعاني"، بالإضافة إلى حذف إشارات إلى فلسطين من نصوص تتناول الحضارة الفينيقية.
وتزامنت هذه الخطوات مع تقارير تشير إلى ضغوط مارستها جماعات مؤيدة للاحتلال الإسرائيلي على إدارة المؤسسة، رغم أن المتحف يتلقى تمويله من المال العام البريطاني ويرأس مجلس أمنائه السياسي البارز جورج أوزبورن، وزير الخزانة الأسبق.
تحديات للمبررات التاريخية
أثار قرار إعادة التسمية استياءً في الأوساط الأكاديمية المتخصصة في التاريخ القديم، حيث أبدى باحثون تحفظاتهم على المبررات الفنية للتغيير. وتشير المصادر التاريخية إلى استخدام تسميات مشابهة لـ"فلسطين" منذ العصور القديمة، بدءاً من النقوش المصرية التي أشارت إلى "بلست"، مروراً بالمصادر الآشورية والفارسية واليونانية والرومانية.
وأكدت مارشيلا وارد، الباحثة في الدراسات الكلاسيكية، أن الإزالة لا تستند إلى دقة علمية، بل قد يكون الاستمرار في استخدام التسمية التاريخية هو الأكثر موضوعية نظراً لانتشارها في وثائق متعددة العصور. من جانبها، حذرت جوزفين كوين، أستاذة التاريخ القديم في جامعة كامبريدج، من مخاطر ربط التسميات الأثرية بالصراعات السياسية المعاصرة، مشيرة إلى أن توظيف الماضي لخدمة أجندات حالية يمس مصداقية المؤسسات البحثية.
موقف السلطات البريطانية
تشير الرواية الرسمية في لندن إلى أن المؤسسات الثقافية تتمتع باستقلالية كاملة في إدارة محتواها، وأن قرارات المجموعات المعروضة تقع ضمن صلاحيات مجالس الأمناء وليس الوزارات. غير أن زملط يرى أن على الحكومة الضغط باتجاه تطابق سياسات العرض مع الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين، الذي أعلنته المملكة في سبتمبر الماضي.
من ناحيتها، دافعت إدارة المتحف عن إجراءاتها، مؤكدة أن مصطلح فلسطين لا يزال يظهر في بعض الأقسام التاريخية والمعاصرة وعلى المنصات الإلكترونية، رغم الاعتراف الضمني بتعديل بعض اللوحات التوضيحية.
سياق أوسع من المساءلة التاريخية
تأتي هذه الأزمة في توقيت حساس يشهد فيه الشعب الفلسطيني، بحسب تعبير السفير، "حملة تدمير مستمرة"، في إشارة إلى التقارير الحقوقية والأممية التي وصفت الأوضاع الراهنة بالإبادة الجماعية. ويرى مراقبون أن مسألة التسميات في المتاحف الغربية ليست مجرد خلاف تقني، بل تمثل معركة على الرواية التاريخية والوجود الجماعي.
ويطرح الجدل الحالي تساؤلات جوهرية حول دور المتاحف العامة في عرض تاريخ متعدد الأوجه ومتوازن، خاصة في ظل النزاعات السياسية المستعرة، ومدى نجاح هذه المؤسسات في الحفاظ على الحياد العلمي بعيداً عن الضغوط الخارجية.






