
كشفت صحيفة "هآرتس" العبرية عن ممارسات الجيش الإسرائيلي في إخفاء إحصاءات دقيقة تتعلق بتسريح آلاف الضباط والجنود من الخدمة العسكرية بسبب إصابتهم باضطرابات نفسية خلال الحرب المستمرة على قطاع غزة، وسط رفض المتحدث الرسمي تقديم كامل البيانات المطلوبة.
التلاعب بالبيانات وانتهاك قانون الشفافيةأفادت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية بأن القيادات العسكرية تتعمد إخفاء الإحصاءات الدقيقة المتعلقة بتسريح أفرادها بسبب مشاكل نفسية. وذكرت الصحيفة أنها تقدمت بطلب رسمي خلال يونيو 2025 للحصول على هذه البيانات بموجب قانون حرية المعلومات، إلا أن الجيش امتنع عن الرد رغم مرور المهلة القانونية المحددة بثلاثين يوماً. وبعد الضغط الإعلامي، حصلت المؤسسة العسكرية على تمديد لمدة شهر، غير أنها لم تفصح عن الأرقام المطلوبة حتى اللحظة.
ونقلت الصحيفة عن مصادر عسكرية رفضت الكشف عن هويتها أن القيادة تميل إلى تأخير نشر المعلومات التي لا تتماشى مع مصالحها العليا. وأشار ضابط احتياط يعمل في شؤون الأفراد إلى وجود "خبراء بارعين في التلاعب بالإحصائيات وإخفاء المعطيات المحرجة"، مؤكداً أن الجيش يبذل جهوداً استثنائية للحصول على أي معلومة يريدها خلال ساعات عندما يتعلق الأمر بمهاجمة صحفيين، بينما يتجاهل الطلبات التي تكشف حقيقته.
أرقام صادمة تكشف حجم الأزمة النفسية
وبحسب المعطيات التي اضطرت المؤسسة العسكرية للإفصاح عنها تحت ضغط المحاكم، أظهرت الأرقام استبعاد سبعة آلاف ومئتين وواحد وأربعين عسكرياً بين ضابط وجندي من الخدمة خلال اثني عشر شهراً الأولى من المعارك فقط. ويعتبر هذا الرقم الأعلى في تاريخ الجيش الإسرائيلي، وفقاً لمصادر في إدارة شؤون الأفراد، فيما يؤكد ضباط آخرون أن العدد الحقيقي يفوق ذلك بكثير.
ورغم هذه الأرقام المفزعة، يصر الجيش رسمياً على عدم امتلاكه بيانات شاملة عن الظاهرة. وتشير "هآرتس" إلى أن المؤسسة العسكرية تواجه موجة غير مسبوقة من الانهيارات النفسية بين صفوف مقاتليها منذ بدء الحرب على غزة في أكتوبر 2023، حيث اضطر آلاف الجنود إلى مغادرة الجبهات لعدم قدرتهم على تحمل الفظائع التي ارتكبوها.
انعكاسات الحرب على القدرة القتالية
أدت الضغوط النفسية الهائلة إلى نقل آلاف العسكريين من الخطوط الأمامية إلى وظائف داعمة في المناطق الخلفية. وعجز العديد من المشاركين في حصار غزة عن العودة إلى ميدان المعركة بسبب حالات الاكتئاب والصدمات النفسية الحادة. ولمواجهة هذا الواقع، اضطر الجيش إلى زيادة عدد أطباء النفسية وإنشاء مراكز علاج متخصصة.
كما كشفت الصحيفة عن إخفاء الجيش لحالات الانتحار بين صفوف أفراده طوال عام 2024، في محاولة واضحة لمنع انهيار الروح المعنوية العامة. وتعتقد إدارة الصحة النفسية التابعة للجيش أن نشر هذه البيانات سيضر بالصورة النمطية للمقاتل الإسرائيلي، لذا تسعى القيادة جاهدة لإبعاد هذه الملفات عن الإعلام.
سياق العدوان المستمر على القطاع
تأتي هذه الكشوفات في سياق الحرب الإبادية التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة منذ الثامن من أكتوبر 2023، والتي أسفرت عن استشهاد أكثر من 72 ألف فلسطيني وإصابة أكثر من 172 ألف آخرين، غالبيتهم من الأطفال والنساء. ورغم اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في أكتوبر الماضي، تواصل القوات الإسرائيلية حصار القطاع وقصفه اليومي.
وتمنع سلطات الاحتلال إدخال المواد الغذائية والأدوية والمستلزمات الطبية بشكل كامل، مما يتسبب في كارثة إنسانية غير مسبوقة لنحو 2.4 مليون فلسطيني، بينهم مليون ونصف نازح. وتشكل هذه الممارسات استمراراً لسياسات التطهير العرقي التي بدأت عام 1948، حيث لا تزال تل أبيب تراوغ في تنفيذ قرارات الشرعية الدولية القاضية بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.






