ماذا تفعل طالبان؟ هل تعيد اليوم حظر ما كانت قد حظرته بالأمس؟

08:0331/01/2026, Cumartesi
تحديث: 31/01/2026, Cumartesi
ياسين اكتاي

خلال الأسبوع الماضي، شهدنا في كل من الإعلام التقليدي ووسائل التواصل الاجتماعي سيلًا من الأخبار “الجاهزة” حول “ابتكارات” جديدة لطالبان في أفغانستان. وعند النظر إلى مضمون هذه الأخبار وطريقة تقديمها، يتضح أن المشهد أقرب إلى “تفجير إعلامي” متعمّد. لقد رأينا هذا النوع من الأخبار مرارًا وتكرارًا. فعلى سبيل المثال، خبر: «حكومة طالبان تحظر تعليم الفتيات!» لا يحمل أي جديد على الإطلاق. إنه خبر أُعيد نشره عشرات المرات من قبل. بل إنه لا يضيف شيئًا عمّا قيل سابقًا، بل لعله يناقض ما نُشر قبل ذلك. لقد قرأنا سابقًا

خلال الأسبوع الماضي، شهدنا في كل من الإعلام التقليدي ووسائل التواصل الاجتماعي سيلًا من الأخبار “الجاهزة” حول “ابتكارات” جديدة لطالبان في أفغانستان. وعند النظر إلى مضمون هذه الأخبار وطريقة تقديمها، يتضح أن المشهد أقرب إلى “تفجير إعلامي” متعمّد. لقد رأينا هذا النوع من الأخبار مرارًا وتكرارًا. فعلى سبيل المثال، خبر: «حكومة طالبان تحظر تعليم الفتيات!» لا يحمل أي جديد على الإطلاق. إنه خبر أُعيد نشره عشرات المرات من قبل. بل إنه لا يضيف شيئًا عمّا قيل سابقًا، بل لعله يناقض ما نُشر قبل ذلك.

لقد قرأنا سابقًا عددًا لا يُحصى من الأخبار التي تزعم أن طالبان منعت تعليم الفتيات. فهل كانت تلك الأخبار تتحدث عن أمر لم يكن قد وقع بعد؟ أم أن التعليم لم يكن محظورًا آنذاك، وأصبح محظورًا الآن فقط؟

الحقيقة أننا حاولنا في ذلك الوقت فهم الأمر من مصدره، عبر الذهاب إلى أفغانستان والاطلاع المباشر والتحدث مع المسؤولين هناك. وتوصلنا إلى أن تعليم الفتيات لم يكن “محظورًا”، بل كان يجري تنظيمه. وقد نقلنا هذه المعلومة بوضوح.

أما الخبر المتداول حاليًا، فليس خبرًا أحادي الموضوع، بل جزء من سردية أوسع عن “جنون طالبان”. حتى العناوين وحدها كفيلة بإثارة كل من وجه بصره نحو أوروبا:

«حكومة طالبان في أفغانستان تعيد العبودية عبر قانون عقوبات جديد، وتحظر تعليم الفتيات. تقسيم المجتمع إلى طبقات، وتطبيق العقوبات بحسب الطبقة الاجتماعية».


بصراحة، أنا شخصيًا، رغم أنني زرت أفغانستان ورأيت الواقع بعيني، ورغم إدراكي لطبيعة الدوافع الخيالية للإعلام الذي لا يلتزم بأي معيار مهني حين يكون الحديث عن طالبان، وجدت نفسي أقول: «كيف هذا؟»

إعادة العبودية؟! تقسيم المجتمع إلى طبقات؟! عقوبات حسب الطبقة؟!


مسألة تعليم الفتيات فهمت فورًا أنها ترديد إعلامي معتاد، لكن من أين جاءت هذه الادعاءات الأخرى؟

في العديد من المواقع الإلكترونية ونشرات الأخبار التلفزيونية قيل إن طالبان حظرت الرقص وحتى مشاهدة الرقص، وأمرت بهدم “أماكن الفجور”. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل قيل أيضًا إن قانون العقوبات الجديد يسمح بالعنف “ما لم يؤد إلى كسر العظام أو تمزيق الجلد”، في حين تُرك “الاعتداء على الأطفال والعنف ضدهم دون عقوبة”!


تمجيد أفغانستان إلى هذا الحد؟!

المثير للسخرية أن من يشاركون هذه الأخبار على وسائل التواصل الاجتماعي يحاسبوننا، لا لمجرد أننا ذهبنا إلى أفغانستان مرتين ونقلنا ما رأيناه مباشرة! بل يتهموننا بأننا “نمجد أفغانستان”، لأننا قلنا: لا نكتفِ بالسمع، فلنذهب ونر بأعيننا ولننقل الواقع كما هو.

هؤلاء أنفسهم لم تطأ أقدامهم أفغانستان، لكنهم يلتهمون دون تساؤل كل ما يُقدم لهم من دعايات جاهزة.


ما رأيناه بأنفسنا في أفغانستان


ما رأيناه ونقلناه عن أفغانستان هو:

بعد انسحاب قوات الاحتلال، لم تشهد البلاد موجة انتقام أو عنف ثأري، بل أُعلن عفو عام شامل طُبق بنجاح لخمسة أعوام متتالية.

ورأينا أن إنتاج المخدرات وتجارته تراجعا إلى ما يقارب الصفر. وشاهدنا بأعيننا أنه للمرة الأولى منذ سبعين عامًا، تحقق الأمن والاستقرار في جميع أنحاء البلاد. كما لاحظنا أن البلاد تشهد لأول مرة منذ خمسين عامًا انتعاشًا اقتصاديًا ملموسًا.

أما بخصوص تعليم الفتيات، فعلى عكس الشائعات المتداولة، فإن الفتيات يدرسن حتى الصف السادس، وما زال بإمكان كل من ترغب بعد ذلك متابعة تعليمها في المعاهد الدينية وكليات الشريعة حتى النهاية، بينما تُستكمل التحضيرات اللازمة للبنية التحتية المتعلقة بالتعليم الجامعي والتخصصات الأخرى.

هذه ليست مديحًا، بل حقائق حقائق ينبغي على أي صحفي أو باحث يتحلى بأدنى درجات الأمانة أن ينقلها كما هي. لكن من الواضح أن هناك من لا يرى أفغانستان إلا بعيون وقلوب المحتلين الذين جثموا على صدرها خمسين أو مئة عام، إن كانوا يدركون ذلك أصلًا.


مصدر الخبر: «راواداري» المموَّلة من سوروس


أما عن الخبر المثار، فقد تتبعت مصدره. لا لتبرير شيء، بل لفهم الحقيقة. فاتضح أن مصدره بيان صادر عن صفحة معارضة تُدعى “راواداري”، وهي جهة أفغانية إسماعيلية شيعية ممولة من سوروس، وقد نشرت بيانًا حول «لائحة إجراءات المحاكم الصادرة عن طالبان». ورغم أن الجميع استند إلى هذا البيان، فإن قلة فقط نشرت نصه الفعلي.

قمت بتحميل البيان، كما قرأت لائحة “إجراءات المحاكم” الصادرة باسم أمير “إمارة أفغانستان الإسلامية” هبة الله أخوند زاده، واطلعت على النصين كاملين.

وأؤكد هنا: لا يوجد في أي من النصين، لا في وثيقة طالبان ولا في بيان “راواداري” المعارض، أي ذكر لمنع تعليم الفتيات. أي أن هذه الادعاءات أُضيفت إلى الأخبار لزيادة التأثير الدعائي. وباختصار، نحن ما زلنا عند النقطة نفسها بخصوص تعليم الفتيات، بل إن التقدم في هذا الملف بات أوضح.


أما بقية الادعاءات: فأين أخلاقيات الصحافة؟


أغلب ما أُثير في الأخبار هو اقتطاع مشوّه للنصوص خارج سياقها. فالقول إن “العنف مسموح بشرط عدم كسر العظام أو تمزيق الجلد”، أو أن “الاعتداء على الأطفال بلا عقوبة”، لا يمكن استخراجه من النص لا اقتطاعًا ولا تأويلًا. من أين جاءت هذه الخيالات؟

إنها ادعاءات تتناقض مع العقل والمنطق والإسلام والشريعة.


لكن حين يكون الحديث عن طالبان، يبدو أن البعض يمنح نفسه رخصة مطلقة للاختلاق. ولو طُبِّقت أبسط قواعد التحقق الصحفي، لما كان من الصعب كشف الحقيقة. غير أن أفغانستان، على ما يبدو، لا تستحق حتى هذا القدر من الأخلاق المهنية.


تصريح المتحدث باسم طالبان ذبيح الله مجاهد

وفي رده على أسئلة هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي حول هذه المسألة، أوضح المتحدث باسم طالبان ذبيح الله مجاهد طبيعة تنظيم الإجراءات الجزائية على النحو التالي: «كانت الإمارة الإسلامية، حتى في فترة الجهاد، تمتلك مؤسسات قضائية، وكانت هناك تنظيمات للإجراءات الجزائية للمحاكم قائمة على الشريعة والفقه. إلا أن هذه التنظيمات كانت ذات نطاق تطبيقي محدود بسبب ظروف الحرب السائدة آنذاك في البلاد. أما اليوم، فقد نشأت ضرورة لمعالجة جميع القضايا القانونية في عموم أفغانستان بصورة شاملة. لذلك أُعيد النظر في تلك الإجراءات الجزائية، وأُعدّت لائحة جديدة تستند إلى الشريعة، وبخاصة الفقه الحنفي. وقد جاءت هذه الخطوة استجابةً لحاجة واضحة».


«هل هناك عقوبات وفقًا للوضع الاجتماعي؟»


لقد أثارت لائحة الإجراءات الجزائية هذه ـ عبر الأخبار المتداولة حولها ـ جدلًا واسعًا، ولا سيما من خلال الادعاء بوجود «عقوبات بحسب الوضع الاجتماعي» أو بأن البلاد «قسمت إلى طبقات». وزُعم أن طالبان أسست نظامها القانوني على هرمية طبقية أشبه بنظام الطبقات، بحيث تُفرض عقوبات مختلفة على أساس الهوية الدينية أو المذهبية أو الجندرية أو الطبقة الاجتماعية. غير أن مجاهد نفى هذا الادعاء بشكل قاطع، موضحًا أن النص يشير في حقيقته إلى مبدأي العود إلى الجريمة وتدرّج المسؤولية الجنائية، وهما مبدآن شائعان في قانون العقوبات.


أي إن المقصود هو التمييز المعروف في جميع الأنظمة القانونية بين من اعتاد ارتكاب الجرائم ومن يرتكب الجريمة لأول مرة. أليس هذا التمييز موجودًا لدينا نحن أيضًا، وفي أوروبا، وفي كل أشكال القانون الوضعي؟


فكيف يُترجم هذا على أنه تمييز طبقي أو اجتماعي؟ أي عقل هذا، وأي سوء نية؟ لا يمكن أن يكون مجرد خطأ ترجمة بسيط. وبالفعل، فإن من تشوش وعيهم بهذه الترجمة قد مضوا بعيدًا في ترديدها. يبدو أن هذا موضوع قابل لمزيد من النقاش، وسنعود إليه لاحقًا.

#طالبان
#أفغانستان
#تعليم الفتيات في أفغانستان