
تشهد العاصمة السورية دمشق مرحلة تاريخية جديدة مع افتتاح وزارة العدل لمحكمة الجنايات المختصة بقضايا العدالة الانتقالية، استعداداً للبت في قضايا الانتهاكات الجسيمة المرتكبة خلال عقود من الحكم السابق. وتستعد الهيئة القضائية لاستقبال أولى الدعاوى ضد مسؤولين بارزين في النظام المخلوع، على رأسهم اللواء عاطف نجيب ابن خالة الرئيس السابق، وسط توقعات بمحاكمات علنية.
افتتاح المحكمة وتجهيزاتها القانونية
أعلنت وزارة العدل في الحكومة السورية الجديدة عن إطلاق أعمال المحكمة الجنائية المكلفة بملفات العدالة الانتقالية داخل مجمع عدلية دمشق الرئيسي، وذلك بعد عمليات ترميم وتأهيل شاملة للمبنى. وجاء هذا الإعلان عبر مقطع مصور نشر على منصات التواصل الرسمية، يظهر جولة تفقدية أجراها الوزير مظهر الويس داخل أروقة المحكمة المُعاد تأهيلها، مؤكداً أن هذه المؤسسة القضائية ستتولى النظر في قضايا التجاوزات الخطيرة وملاحقة أركان النظام السابق.
وأكد المسؤول القضائي أن المحكمة ستنطلق في عملها بشكل عاجل، مضيفاً أن المرحلة المقبلة ستشهد محاسبة جميع المتورطين في الانتهاكات بحق الشعب السوري، مع التأكيد على ضرورة تحقيق العدالة الناجزة والشفافة في جميع الإجراءات القانونية.
أولى القضايا والمتهمون البارزون
رغم عدم الإعلان رسمياً عن جدول زمني محدد للجلسات القضائية أو كشف الأسماء الكاملة للمتهمين، تلقت مصادر قضائية في محافظة درعا جنوبي البلاد استدعاءات رسمية للحضور أمام الهيئة القضائية الجديدة. ويستعد مدعون من مدينة درعا لتقديم شهاداتهم أمام القضاة في قضايا تتعلق بجرائم مزعومة ارتكبها كبار المسؤولين الأمنيين السابقين.
وتتصدر قائمة المدعين والشهود في هذه المرحلة أسماء مراد محمد خير أبو نبوت، وسناء الشيخ الصاغة، وحسني عبد الرحيم الربداوي، إضافة إلى بلال مصلح عياش ونهى عبد العزيز المصري، بالإضافة إلى الشاهدين أمجد ممدوح المحاميد وأحمد حسني الجوابرة، وهم جميعاً من ضحايا أو ذوي ضحايا النظام السابق.
عاطف نجيب ورموز النظام السابق
يبرز اسم اللواء عاطف نجيب، ابن خالة الرئيس السابق بشار الأسد، كأبرز المتهمين في هذه المرحلة الافتتاحية للمحكمة. وكان نجيب، الذي ترأس فرع الأمن السياسي في محافظة درعا سابقاً، قد أوقفته الأجهزة الأمنية السورية أواخر شهر يناير الماضي، ويواجه اتهامات جسيمة تتعلق بارتكاب جرائم حرب وانتهاكات حقوقية بحق المدنيين.
ويرتبط اسم المتهم بدايات الحراك الشعبي السوري، إذ شكل اعتقاله وتعذيبه لمجموعة من الأطفال في درعا بسبب كتابات على الجدران الشرارة الأولى للاحتجاجات الشعبية في مارس 2011. وقد سبق أن فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات مشددة عليه في أبريل ومايو من العام نفسه، بتهمة قمع التظاهرات السلمية والتورط في أعمال عنف ضد المدنيين.
سياق تاريخي وانعكاسات المرحلة الانتقالية
تأتي هذه التطورات القضائية في سياق تحول سياسي عميق تشهده الجمهورية العربية السورية، إذ انتهى في الثامن من ديسمبر الماضي نظام حكم امتد لأكثر من ستة عقود من زمن حزب البعث، وخمسة وخمسين عاماً من سيطرة عائلة الأسد على مقاليد الحكم. ويرى مراقبون أن إطلاق هذه المحاكمات يمثل خطوة جوهرية نحو تطبيق مفهوم العدالة الانتقالية ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
وتتوقع مصادر حقوقية أن تكون الجلسات القضائية المقبلة علنية، مما يساهم في كشف الحقائق التاريخية المتعلقة بالملفات الجنائية المتراكمة خلال سنوات النزاع. ويرى متخصصون في القانون الدولي أن نجاح هذه المحكمة في إجراء محاكمات عادلة وشفافة سيشكل سابقة هامة لاستقرار المؤسسات القضائية السورية وترسيخ سيادة القانون في المرحلة المقبلة.






